سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

274

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

إن الذين وضع إلهي ومعلمه والداعي إليه البشر ، تتلقاه العقول من المبشرين ، المنذرين فهو مكسوب لمن لم يختصهم اللَّه بالوحي ومنقول عنهم بالبلاغ والدراسة والتعليم والتقلين وهو عند جميع الأمم أول ما يمتزج بالقلوب ويرسخ في الأفئة وتصبغ النفوس بعقائده وما يتبعها من الملكات والعادات وتتمرن الأبدان على ما ينشأ عنه من الأعمال عظيمها وحقيرها فله السلطة الأولى على الأفكار وما يطاوعها من العزائم والإرادات فهو سلطان الروح ومرشدها إلى ما تدبر به بدنها وكأنما الإنسان في نشأته لوح صقيل وأول ما يخط فيه رسم الدين ، ثم ينبعث إلى سائر الأعمال بدعوته وإرشاده وما يطرأ على النفوس من غيره فإنما هو نادر شاذ حتى لو خرج مارق عن دينه لم يستطع الخروج عما أحدثه فيه من الصفات ، بل تبقى طبيعته فيه كأثر الجرح و « الندبة » في البشرة بعد الاندمال . وبعد هذا ، فموضوع بحثنا الآن « الملة المسيحية » و « الملة الإسلامية » - وهو بحث طويل الذيل - وإنما نأتي فيه على إجمال ينبئك عن تفصيل . إن الديانة المسيحية بنيت على المسالمة والمياسرة في كل شيء وجاءت برفع القصاص واطِّراح الملك والسلطة ونبذ الدنيا وبهرجها ، ووعظت بوجوب الخضوع لكل سلطان يحكم المتدينين لها وترك أموال السلاطين للسلاطين ! والابتعاد عن المنازعات الشخصية والجنسية بل والدينية . ومن وصايا الإنجيل : من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر ! ومن أخباره أن الملوك إنما ولايتهم وحكمهم على الأجساد - وهي فانية - والولاية الحقيقية الباقية على الأرواح وهي للَّه‌وحده . فمن يقف على مباني هذه الديانة ويلاحفظ ما قلنا من أن الدين صاحب الشوكة العظمى على الأفكار مع ملاحظة أن لكل خيال أثرا في الإرادة يتبعه حركة في البدن على حسبه ، يعجب كل العجب من أطوار الآخذين بهذا الدين السلمي المنتسبين في عقائدهم إليه فإنهم يتسابقون في المفاخرة والمباهاة بزينة هذه الحياة ورفه العيش فيها ولا يقفون عند حد في استيفاء لذاتها ويسارعون إلى افتتاح الممالك والتغلب على الأقطار الشاسعة ويخترعون كل يوم فنا جديدا من فنون الحرب ويبدعون في اختراع الآلات الحربية القاتلة والمدمرات المهلكة ويستعملها بعضهم في بعض ويصولون بها